الخطيب الشربيني
100
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
منقول عن عليّ بن أبي طالب ، أو أنّ المراد ليطيعوا وينقادوا لقضائي ، فالمؤمن يفعل ذلك طوعا والكافر يفعل ذلك كرها ، أو أنّ المراد إلا ليوحدون فأمّا المؤمن فيوحد اختيارا في الشدّة والرخاء ، وأمّا الكافر فيوحد اضطرارا في الشدّة والبلاء دون النعمة والرخاء . وقال مجاهد : معناه إلا ليعرفون قال البغوي : وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده بدليل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] وقيل : المراد به الخصوص أي : ما خلقت السعداء من الجنّ والإنس إلا لعبادتي ، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي . قال زيد بن أسلم : قال هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة ، ويؤيده قوله تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] وقيل : وما خلقت الجنّ والإنس المؤمنين وقيل : الطائعين . تنبيه : استدلّ المعتزلة بهذه الآية على أنّ أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وأجيبوا بوجوه منها : أنّ اللام قد ثبتت لغير الغرض كقوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ الإسراء : 78 ] وقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] ومعناه المقارنة فيكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة ومنها قوله تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرعد : 16 ] ومنها ما يدلّ على أنّ الإضلال بفعل الله كقوله تعالى يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ [ الرعد : 27 ] وأمثاله ، ومنها قوله تعالى لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] وقوله تعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ [ آل عمران : 40 ] يَحْكُمُ ما يُرِيدُ [ المائدة : 1 ] فإن قيل : ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلفين قال تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] وقال تعالى لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [ الأعراف : 206 ] أجيب بوجوه . أحدها : أنّ الآية سيقت لبيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له وهذا مختص بالجنّ والإنس ، لأنّ الكفر موجود فيهما دون الملائكة . ثانيها : أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجنّ والإنس فلما قال تعالى : وَذَكِّرْ بين ما يذكر به ، وهو كون الخلق للعبادة وخصص أمّته بالذكر أي ذكر الجنّ والإنس ثالثها : أن عباد الأصنام كانوا يقولون إنّ الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله تعالى وخلقهم لعبادته ، ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله تعالى فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله تعالى كما قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] فقال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلما من القوم فذكر المنازع فيه . رابعها : فعل الجنّ يتناول الملائكة لأنّ أصل الجنّ من الاستتار وهم مستترون عن الخلق فذكر الجنّ لدخول الملائكة فيهم . ولما خص سبحانه خلقهم في إرادة العبادة صرّح بهذا المفهوم بقوله تعالى : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ أي : في وقت من الأوقات وعمم في النفي بقوله تعالى : مِنْ رِزْقٍ أي : شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع ، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر كما يفعل غيري من الموالي مع عبيدهم ، فإنّ ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصل معايشهم وأرزاقهم ، فإمّا مجهز في تجارة ليفيء ربحا ، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضا ، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته ، أو محتطب أو محتش أو مستق أو طابخ أو خابز وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرّف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إليّ . وَما أُرِيدُ أصلا أَنْ يُطْعِمُونِ أي : أن يرزقون رزقا خاصا هو الإطعام وفيه تعريض